فصل: الخبر عن نهوض السلطان أبي بكر إلى الحضرة ورجوعه إلى قسطنطينة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


  الخبر عن استبداد ابن غمر ببجاية

لم يزل ابن غمر مستبداً على السلطان في حجابته يرى أن زمامه بيده وأمره متوقف على إنفاذه‏.‏وصار يغريه ببطانته فيقتلهم ويغربهم وربما كان السلطان يأنف من استبداده عليه‏.‏وداخله بعض أهل قسطنطينة سنة ثلاث عشره في اغتياله ابن غمر فهموا بذلك ولم يتم ففطن لها ابن غمر فأوقع بهم وقسمهم بين النكال والعذاب فرقاً‏.‏ثم رجع السلطان إلى بجاية سنة ثلاث عشرة لما أهمهم حصاره واتصلت حاله معه على ذلك النحو من الاستبداد إلى أن بلغ السلطان أشده وأرهف حده وسطا بمحمد بن فضل فقتله في خلوة معاقرته من غير مؤامرة الحاجب‏.‏وباكر ابن غمر مقعده بباب السلطان فوجد شلوه ملقى في الطريق مضرجاً في ثيابه وأخبر أن السلطان سطا به فداخله الريب من استبداد السلطان وإرهاف حده وخشي بوادره وتوقع سعاية البطانة ونجي الخلوة‏.‏وتحيل في بعده عنه واستبداده بالثغر دونه فأغراه بطلب إفريقية من يد ابن اللحياني وجهزه بما يصلحه من الآلة والفساطيط والعساكر والخدام ورتب له المراتب‏.‏وارتحل السلطان إلى قسطنطينة سنة خمس عشرة‏.‏ثم تقدم غازياً إلى بلاد هوارة وأجفل عنها ظافراً بمن تعاطى قائدها من مواليهم فاستوفى جباية هوارة‏.‏وقفل إلى قسطنطينة سنة ست عشرة واستبد ابن غمر ببجاية ومدافعة العدو من زناتة عنها‏.‏واستخلف على حجابته السلطان محمد بن القالون وقرت عينه بما كان يؤمل من استبداده إلى أن كان من أمره ما نذكر‏.‏

  الخبر عن سفر السلطان أبي يحيى اللحياني إلى قابس وتجافيه عن الخلافة

كان هذا السلطان أبو يحيى بن اللحياني قد طعن في السن وكان بصيراً بالسياسة مجرباً للأمور وكان يرى من نفسه العجز عن حمل الخلافة واستحقاقها مع أبناء الأمير أبي زكرياء الأكبر‏.‏وعلم مع ذلك استفحال صاحب الثغور الغربية الأمير أبي بكر واستغلاظ أمره بمن انتظم في ملكه وارتسم في ديوان جنده من أعياص زناتة وفحول شلوهم من توجين ومغراوة وبني عبد الواد وبني مرين‏.‏كانوا ينزعون إليه مع الأيام عن ملوكهم خشية على أنفسهم لما قاسموهم في النسب وساهموهم في يعسوبية القبيل وفحولية الشول‏.‏ومنهم من غلبوا على مواطنهم وملكوها عليهم مثل مغراوة وبني توجين ومليكش فاستكثف بذلك جند السلطان وكثرت جموعه وهابه الملوك‏.‏ونهض سنة ست عشرة إلى إفريقية وجال في بلاد هوارة وأخذ جبايتها كما ذكرناه فتوقع السلطان ابن اللحياني زحفه إليه بتونس‏.‏وكانت إفريقية مضطربة عليه وكان تعويله في الحماية والمدافعة على أوليائه من العرب تولى منهم حمزة بن علي عمر بن أبي الليل فحكمه في أمره وأشركه في سلطانه وأفرده برياسة العرب وأجره الرسن وسرب إليه الأموال وكثر بذلك زبون العرب واختلافهم عليه فاعتزم على التقويض عن إفريقية ونفض اليد من الخلافة فجمع الأموال والذخيرة وباع ما كان بمودعاتهم من الآنية والفرش والخرثي والماعون والمتاع حتى الكتب التي كان الأمير أبو زكرياء الأكبر جمعها واستجاد أصولها ودواوينها‏.‏أخرجت للوراقين فبيعت بدكاكينهم‏.‏فجمع من ذلك زعموا قناطير من الذهب تجاوز العشرين وجواليقين من حصى الدر والياقوت‏.‏وخرج من تونس إلى قابس مورياً بمشارفة عملها فاتح سبع عشرة بعد أن رتب الحامية بالحضرة وباجة والحمامات واستخلف بالحضرة أبا الحسن بن وانودين وانتهى إلى قابس فقام بها وصرف العمال في جهاتها إلى أن كان من بيعة ولده بتونس ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى‏.‏

  الخبر عن نهوض السلطان أبي بكر إلى الحضرة ورجوعه إلى قسطنطينة

لما خرج السلطان من هوارة إلى قسطنطينة سنة ست عشرة كما قدمناه استبلغ في جهاز حركة أخرى إلى تونس فاحتشد وقسم العطاء وأزاح العلل واعترض الجنود عن طبقاتهم من زناتة والعرب وسدويكش‏.‏واستخلف على قسطنطينة الحاجب محمد بن القالون‏.‏وبعث إلى حاجبه الأعظم أبي عبد الرحمن بن غمر بمكانه من إمارة بجاية في مدد المال في النفقات والأعطيات‏.‏فبعث إليه منصور بن فضل بن مزني عامل الزاب‏.‏وكان ابن عمر لما رأى من كفايته وأنه جماعة للمال استضاف له عمل جبل أوراس والحضنة وسدويكش وعياض وسائر أعمال الضاحية فكانت أعمال الجباية كلها لنظره وأمواله في حسبان دخله وخرجه‏.‏فبعث ابن غمر ليقيم إنفاق السلطان‏.‏واستخلفه على خطة حجابته وارتحل السلطان من قسطنطينة في جمادى سنة سبع عشرة يطوي المراحل‏.‏ولقيه في طريقه وفود العرب وانتهى إلى باجة فانفضت وكان السلطان أبو يحيى اللحياني قد خرج عنها إلى قابس كما قدمناه واستخلف عليها أبا الحسن بن وانودين وبعث إليه بنهوض السلطان أبي بكر إلى تونس وأنه محتاج إلى المدافعة فاعتذر لهم اللحياني بما قبله من الأموال وأطلق يدهم في الجيش والمال فأركبوا واستلحقوا ورتبوا الديوان وأخرجوا ابنه محمد ويكنى أبا ضربة فأطلقوه من اعتقاله‏.‏وبغتهم الخبر بإشراف السلطان أبي بكر على باجة فخرجوا جميعاً من تونس‏.‏وخالفهم إلى السلطان مولاه ابن غمر بن أبي الليل‏.‏كان مضطغناً مع الدولة متربصاً بها لما كان اللحياني يؤثر عليه أخاه حمزة فلقي السلطان في دوين باجة فأعطاه صفقته واستحثه ووصل إلى تونس فنزل روض السناجرة من رياض السلطان في شعبان من سنة سبع عشرة‏.‏وخرج إليه الملأ وترددوا في البيعة بعض الشيء انتظاراً لشأن أبي ضربة وأصحابه‏.‏وكان من خبرهم أن السلطان لما أغذ السير من باجة بادر حمزة بن غمر إلى بطانة اللحياني وأوليائه بتونس فلقيهم وقد خرجوا عنها فأشار عليهم ببيعة أبي ضربة بن السلطان اللحياني ومزاحمة القوم به فبايعوه وزحفوا إلى لقاء السلطان‏.‏ودس حمزة إلى أخيه مولاهم أن يزحف بالمعسكر فأجفل السلطان من مقامته من روض السناجرة لسبعة أيام من احتلاله قبل أن يستكمل البيعة وارتحل إلى قسطنطينة ورجع عنه مولاهم من تخوم وطنه‏.‏وسرح منصور بن مزني إلى ابن غمر ببجاية ودخل أبو ضربة بن اللحياني والموحدون إلى تونس منتصف شعبان من سنته‏.‏وبويع بالحضرة البيعة العامة وتلقب بالمستنصر‏.‏وأراد أهل تونس على إدارة سور بالأرباض يكون سياجاً عليها فأجابوه إلى ذلك وشرع فيه‏.‏وأرهقه العرب في مطالبهم واشتطوا عليه في شروطهم إلى أن عاود مولانا السلطان حركته كما نذكر‏.‏

  الخبر عن استيلاء السلطان أبي بكر على الحضرة وإيقاعه بأبي ضربة وفرار أبيه من طرابلس إلى المشرق

لما قفل السلطان من تونس إلى قسطنطينة بعث قائده محمد بن سيد الناس بين يديه إلى بجاية فارتاب ابن غمر بوصوله وتنكر له وشعر بذلك السلطان وأغضى له عنها وطلبه في المدد فاحتفل في الحشد والآلة والأبنية‏.‏وبعث إليه سبعة من رجال الدولة بسبعة عساكر وهم‏:‏ محمد بن سيد الناس ومحمد بن الحكم وظافر السنان وأخوه من موالي الأمير أبي زكرياء الأوسط ومحمد المديوني ومحمد المجرسي ومحمد البطوني‏.‏وبعث له من فحول زناتة وعظمائهم عبد الحق بن عثمان من أعياص بني مرين كان ارتحل إليه من الأندلس كما نذكر في خبره وأبا رشيد بن محمد بن يوسف من أعياص بني عبد الواد في من كان معهم من قومهم وحاشيتهم‏.‏وتوافوا بعساكرهم عند السلطان بقسطنطينة فاعتزم على معاودة الزحف إلى تونس وكان قد اختبر أحوال إفريقية وأحسن في ارتيادها فخرج في صفر من سنة ثمان عشرة واستعمل على حجابته أبا عبد الله بن القالون ومرادفه أبو الحسن بن عمر ووافاه بالأربس وفد هوارة وكبيرهم سليمان بن جامع وأخبروه بأن أبا ضربة بن اللحياني أجفل من باجة بعد أن نزلها معتزماً على اللقاء فارتحل مولانا السلطان مغذاً ولقيه مولاهم ابن غمر فراجع الطاعة وارتحلوا في أتباع أبي ضربة وجموعه حتى شارفوا على القيروان فخرج إليه عاملها ومشيختها فألقوا إليه باليد وأعطوا الطاعة‏.‏وارتحل السلطان راجعاً عن أتباع عدوه إلى الحضرة وقد ترك بها أبو ضربة بن اللحياني من بطانته محمد بن الغلاق ليمانع دونها فأخرج الرماة إلى ساحتها وقاتل العساكر ساعة من النهار‏.‏ثم اقتحموها عليه واستبيح عامة أرباضها وقتل ابن الغلاق ودخل السلطان إلى الحضرة في ربيع من سنته فأقام خلال ما انعقدت العامة‏.‏وقدم على الشرطة ميمون بن أبي زيد واستخلفه على البلد‏.‏ورحل في أتباع أبي ضربة بن اللحياني وجموعه فأوقع بهم بمصوح من جهات بلاد هوارة‏.‏وقتل من مشيخة الموحدين أبو عبد الله بن الشهيد من أهل البيت الحفصي وأبو عبد الله بن ياسين‏.‏ومن طبقات الكتاب أبو الفضل البجائي وتقبض على شيخ الدولة أبي محمد عبد الله بن يغمور‏.‏وقيد إلى السلطان فعفا عنه ونوهه ليومه‏.‏ثم أعاده إلى خطته بعد ذلك‏.‏ورجع السلطان إلى تونس في رجب من سنته‏.‏وكان السلطان أبو عيسى بن اللحياني لما بلغه الخبر بنهوض السلطان إلى تونس حركته الثانية سنة سبع عشرة وما كان من بيعة الموحدين والعرب لابنه أبي ضربة ارتحل من مقامته بقابس إلى نواحي طرابلس‏.‏ثم بلغه رجوع السلطان إلى قسطنطينة فأوطن طرابلس فبنى مقعداً لملكه بسور البلد مما يلي البحر سماه الطارمة وبعث العمال في الجهات لجباية الأموال‏.‏وبعث على جبال طرابلس أبا عبد الله بن يعقوب قريب حاجبه ومعه هجرس بن مرغم كبير الجواري من دباب فدوخ البلاد وفتح المعاقل وجبى الأموال وانتهى إلى برقة‏.‏واستخدم آل سالم وآل سليمان من عرب دباب ورجع إلى سلطانه بطرابلس‏.‏ووافاه الخبر بانهزام أبي ضربة ابنه فبعث حاجبه أبا زكرياء بن يعقوب ووزيره أبا عبد الله بن ياسين بالأموال لاحتشاد العرب ففرقوها في علاق ودباب وزحف أبو ضربة إلى القيروان‏.‏وبلغ الخبر إلى السلطان أبي بكر فخرج من تونس آخر شعبان سنة ثمان عشرة فأجفلوا عن القيروان‏.‏ثم تدامروا وعقلوا رواحلهم مستميتين بزعمهم حتى أطلت عليهم العساكر بمكان فج النعام فانفضت جموعهم وشردت رواحلهم وارتحلوا منهزمين والقتل والنهب يأخذ منهم مأخذه‏.‏ونجا أبو ضربة في فله إلى المهدية وكانوا مقيمين على دعوة أبيه فامتنع بها إلى أن كان من شأنه ما وبلغ الخبر إلى أبيه بمكانه من طرابلس فاضطرب معسكره وبعث إلى النصارى في أسطول يحمله إلى الإسكندرية فوافوه بستة أساطيل فاحتمل أهله وولده وركب البحر ومعه حاجبه أبو زكرياء بن يعقوب إلى الإسكندرية واستخلف على طرابلس أبا عبد الله بن أبي عمران من ذوي قرابته وصهره فلم يزل بها إلى أن استدعاه الكعوب ونصبوه للأمر وأجلبوا به على السلطان مراراً كما نذكره بعد‏.‏وركب السلطان أبو يحيى بن اللحياني البحر إلى الإسكندرية فنزل بها على السلطان محمد بن قلاون من ملوك الترك بمصر والشام‏.‏واستقدمه إلى مصر فعظم من مقدمه واهتز للقائه ونوه من مجلسه وأسنى من جرايته وأقطاعه إلى أن هلك سنة ثمان وعشرين‏.‏ورجع السلطان أبو بكر إلى تونس بعد الواقعة على أبي ضربة وقومه بفج النعام فدخلها في شوال من سنته‏.‏واستقامت إفريقية على طاعته وانتظمت أمصارها وثغورها في دعوتها إلا الهدية وطرابلس كما ذكرناه إلى أن كان ما يأتي ذكره‏.‏

  الخبر عن مهلك الحاجب ابن غمر ببجاية

وولاية الحاجب محمد بن القالون عليها ثم الإدالة منه بابن سيد الناس كان الحاجب ابن غمر لما استبد ببجاية سنة خمس عشرة وانتقل السلطان إلى قسطنطينة ولم يراجعها بعد‏.‏ثم رجع من تونس ثانية حركاته سنة سبع عشرة صرف إليه منصور بن فضل وبعث في أثره قائده أبا عبد الله محمد بن حاجب أبيه أبي الحسن بن سيد الناس يهيئ قصوره ببجاية للتحول إليها فرده ابن غمر وتنكر وطالبه السلطان في الممد فبادر به فأقطعه جانب الرضى‏.‏وعقد له على بجاية وقسطنطينة كما ذكرنا ذلك كله قبل‏.‏فاستبد ابن غمر بالثغر وما إليه من الأعمال مقتصراً على ذكر السلطان في الخطبة واسمه في السكة‏.‏وأقام على ذلك إلى أن ملك السلطان تونس واستولى على جهاتها وبعث إليه بابن عمه محمد بن غمر فعقد أبو عبد الرحمن الحاجب على قسطنطينة فمضى إليها وهو في خلال ذلك كله يدافع عساكر زناتة عن بجاية‏.‏وقد كان أبو حمو صاحب تلمسان بعد ظهوره على محمد بن يوسف واسترجاعه بلاد مغراوة وتوجين من يده كما قدمناه يسرب العساكر لحصارها‏.‏وابتنى بالوادي على مرحلتين منها قلعة تكر ليجمر بها الكتائب لحصارها‏.‏ثم هلك أبو حمو وولي ابنه أبو تاشفين من بعده سنة ثمان عشرة فتنفس فخنق الحصار عن بجاية ريثما كانت حركة السلطان إلى تونس وفتحها‏.‏ثم خرج أبو تاشفين من تلمسان لتمهيد أعماله وقتل محمد بن يوسف بمعقله من جبل وانشريش كما ذكرناه في أخبارهم فارتحل من هنالك غازياً إلى بجاية فأطل عليها في سنة تسع عشرة وبدا له من حصنها وكثرة مقاتلتها وامتناعها ما لم يحتسب فانكفأ راجعاً إلى تلمسان وأصاب ابن غمر المرض فبعث عن علي ابن عمه من مكان عمله بقسطنطينة وعهد إليه بأمره والقيام بولاية وهلك لأيام على فراشه في شوال من سنة تسع عشرة وقام علي بن غمر بأمر بجاية واتصل الخبر بالسلطان فأهمه شأن الثغر‏.‏وطير ابن سيد الناس إليه مع قهرمانة داره لتحصيل تراثه والبحث عن ذخيرته فاستوفى من ذلك فوق الكثرة من الصامت والذخيرة وقدم به على السلطان واستقدم معه علي بن غمر فأولاه السلطان من رضاه ما أحسب أمله‏.‏وأقام بالحضرة إلى أن كان منه خلاف مع ابن عمران‏.‏ثم راجع الطاعة وقد أحفظ السلطان لولاية عدوه‏.‏فلما عاد إلى تونس أوعز إلى مولاه نجاح وهلال بقتله فاغتالوه خارجاً من بستانه فأشووه وهلك من جراحته‏.‏

  الخبر عن إمارة الأمير أبي عبد الله على قسطنطينة وأخيه الأمير أبي زكرياء على بجاية وتولية القالون علي حجابته

لما هلك ابن غمر أهم السلطان شأن بجايه بما كانت عليه من شأن الحصار ومطالبة بني عبد الواد لها فرأى أن يكثف الحامية بالثغور الغربية وينزل بها أبناءه للمدافعة والحماية فعقد على قسطنطينة لابنه الأمير أبي عبد الله وعقد على بجاية لابنه الأخر الأمير أبي زكرياء‏.‏وجعل حجابتها لأبي عبد الله بن القالون مستبداً عليهما لمكان صغرهما‏.‏وأكثف له الجند وأمره بالمقام ببجاية لممانعتها من العدو الملح على حصارها‏.‏وارتحلوا من تونس فاتح سنة عشرين في احتفال من العسكر والصحاب والأبهة‏.‏وأبقى خطة الحجابة خلواً ممن يقوم بها‏.‏وأبقى علي بن القالون‏.‏وبقي للتصرف في الأمور من رجالات السلطان أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز الكردي الملقب بالمزوار‏.‏وكان مقدماً على بطانة السلطان المعروفين بالدخلة وعلى الأشغال الكاتب أبو القاسم بن عبد العزيز وسنذكر أوليتهما بعد‏.‏وانصرف إلى بجاية رافلاً في حلل العز والتنويه إلى أن كان من أمره ما نذكر‏.‏

  الخبر عن استقدام ابن القالون والإدالة منه بابن سيد الناس في بجاية وبظافر الكبير في قسطنطينة

لما انصرف أبو عبد الله بن يحيى بن القالون إلى بجاية وخلا وجه السلطان فيه لبطانته عند ولايته بجاية بثوا فيه السعايات ونصبوا له الغوائل‏.‏وتولى كبر ذلك المزوار ابن عبد العزيز بمداخلة أبي القاسم بن عبد العزيز صاحب الأشغال‏.‏وعظمت السعاية فيه عند السلطان حتى داخلت فيه المظنة‏.‏وعقد لمحمد بن سيد الناس على بجاية نقله إليها من عمله باجة وكتب له عهده بخطه‏.‏واستقدم صاحبه محمد بن القالون فقدم وقد تغير السلطان له ودخل ابن سيد الناس بجاية وقام بأمر حصارها وحجابة أميرها إلى أن استقدم للحجابة وكان من أمره ما نذكره‏.‏ومر ابن القالون بقسطنطينة في طريقه إلى الحضرة فحدثته نفسه بالامتناع بها وداخل مشيختها في ذلك فأبوا عليه فأشخصهم إلى الحضرة نكالاً بهم‏.‏ونمي الخبر بذلك إلى السلطان فأسرها لابن القالون وعزم على استضافة الحجابة بقسطنطينة لابن سيد الناس فاستعفى مشيختها من ذلك واروه أن ابن الأمين قريبه وابن أخيه وذكروه ثورة أبيه فأقصر عن ذلك وصرف اعتزامه إلى مولاه ظافر الكبير وذلك عند قدومه من المغرب وكان من خبره أنه كان من موالي الأمير أبي زكرياء وكان له في دولة ابنه السلطان أبي البقاء ظهور وهو الذي زحف بالعسكر عندما استراب السلطان أبو البقاء بأخيه السلطان أبي بكر فأقام بباجة‏.‏وجاء المزدوري والعرب إلى تونس في مقدمة ابن اللحياني فزحف إليهم ففضوه وتقبضوا عليه كما ذكرنا ذلك كله‏.‏ثم لحق بعدها بمولانا السلطان أبي يحيى وأعاده إلى مكانه من الدولة وولاه قسطنطينة عند مهلك ابن ثابت سنة ثلاث عشر‏.‏ثم غص به ابن غمر وأغرى به السلطان فأشخصه في سفين إلى الأندلس وأجاز إلى المغرب‏.‏ونزل على السلطان أبي سعيد إلى أن بلغه الخبر بمهلك ابن غمر فكر راجعاً إلى تونس ولقاه السلطان مبرة وتكريماً‏.‏ووافق ذلك وصول الحاجب ابن القالون من بجاية فعقد السلطان لظافر هذا على حجابة ابنه بقسطنطينة الأمير أبي عبد الله فقدمها وقام بأمرها واستعمل ذويه وحاشيته في وجوه خدمتها وصرف من كان هنالك من الخدام أهل الحضرة إلى بلدهم‏.‏وكان بها أبو العباس بن ياسين متصرفاً بين يدي الأمير أبي عبد الله والكاتب أبو زكرياء بن الدباغ على أشغال الجباية وكانا قدما من الحضرة في ركاب الأمير أبي عبد الله فصرفهما القائد ظافر

  الخبر عن ظهور ابن أبي عمران وفرار ابن القالون إليه

كان محمد بن أبي عمران هذا من عقب أبي عمران موسى بن إبراهيم ابن الشيخ أبي حفص وهو الذي ولي إفريقية نائباً عن أبي محمد عبد الله ابن عمه الشيخ أبي محمد عبد الواحد كتب له بها من مراكش لأول ولايته فأقام والياً عليها ثمانية أشهر إلى أن قدم آخر سنة ثلاث وعشرين وستمائة وأقام أبو عمران هذا في جملتهم إلى أن هلك ونشأ بنوه في ظل دولتهم إلى أن كان من عقبه أبو بكر والد محمد هذا فكان له صيت وذكر‏.‏وكان السلطان أبو يحيى زكرياء بن اللحياني قد رعى له ذمة قرابته ووصله بصهر عقده لابنه محمد على ابنته‏.‏واستخلفه على تونس عند خروجه عنها‏.‏ثم استخلفه على طرابلس عند ركوبه السفين إلى الإسكندرية‏.‏وكان أبو ضربة بعد انهزامه وافتراق جموعه اعتصم بالمهدية ونازله بها السلطان أبو بكر فامتنعت عليه فأقلع عنها على سلم عقده لأبي ضربة‏.‏وأقام حمزة بن عمر في سبيل خلافه على السلطان ويتقلب في نواحي إفريقية حتى عظم زبونه على السلطان ونزع إليه الكثير من الأعراب وكثرت جموعه فاستقدم محمد بن أبي عمران من مكان ولايته بثغر طرابلس‏.‏وزحف إلى تونس معارضاً للسلطان قبل اجتماع عساكره وكمال تعبيته فخرج السلطان أبو بكر من تونس في رمضان سنة إحدى وعشرين ولحق بقسطنطينة وصحبه إليها مولاهم ابن عمر‏.‏وكان الحاجب محمد بن يحيى بن القولون قد غصته البطانة والحاشية بالسعاية فيه عند السلطان وتبين له انحرافه عنه‏.‏وكان معز بن مطاعن الفزاري وزيره حمزة بن عمر وصاحب شوراه صديقاً للقالون ومخالصاً فداخله في الأجلاب بابن عمران‏.‏فلما خرج السلطان أمام زحفه تخفف القالون بتونس وركب من الغد في البلد منادياً بدعوة ابن أبي عمران‏.‏ودخل محمد بن أبي عمران ثانية خروج السلطان واستولى على الحضرة وأقام بها بقية سنته وصدر من الأخرى ولحق السلطان بقسطنطينة فجمع عساكره واحتشد جموعه‏.‏وأزاح العلل واستكمل التعبية وزحف منها في صفر سنة اثنتين وعشرين‏.‏وخرج ابن أبي عمران للقائه مع حمزة بن عمر في جموع العرب فلقيهم السلطان أولى وثانية بالرجلة وأوقع بهم وقتل شيخ الموحدين أبا عبد الله بن أبي بكر‏.‏وكان على مقدمتهم محمد بن منصور بن مزني وغيرهم وأثخنت العساكر فيهم قتلاً وأسراً وكان للسلطان فيها ظهور لا كفاء له‏.‏ثم تقبض على مولاهم ابن عمر فكان من خبره ما نذكره‏.‏

  الخبر عن مقتل مولاهم ابن عمر وأصحابه من الكعوب

لما أتيح للسلطان من الظهور على ابن عمران وأتباعه والظفر بهم ما اتيح وصنع له فيهم رغم أنف مولاهم ابن عمر وظهرت من أصحابه كلمات أنبأت بفساد دخلتهم‏.‏ثم نمي للسلطان أن مولاهم داخل في الفتك به ابنه منصور وربيبه زعدان ومعدان ابني عبد الله بن أحمد بن كعب وسليمان بن جامع من شيوخ هوارة‏.‏وشى بذلك عنهم ابن عمهم عون بن عبد الله بن أحمد بعد أن داخلوه فيها فتنصح بها للسلطان‏.‏فلما عدوا على السلطان تقبض عليهم وبعثهم إلى تونس فاعتقلوا بها ورجع هو إلى الحضرة فدخلها في جمادى من سنته‏.‏وجدد البيعة على الناس وزحفت العرب في أتباعه حتى نزلوا بظاهر البلد وشرطوا عليه إطلاق مولاهم وأصحابه فأنفذ السلطان قتلهم فقتلوا بمحبسهم وبعث بأشلائهم إلى حمزة فعظم عنده موقع هذا الحزن وصرخ في قومه وتدامروا أن يثيروا بصاحبهم وأغذوا السير إلى الحضرة وابن أبي عمران معهم على حين افتراق العساكر وإراحة السلطان‏.‏وظنوا أنهم ينتهزون الفرصة فخرج السلطان عن تونس لأربعين يوماً من دخوله ولحق بقسطنطينة ودخل ابن أبي عمران إلى تونس فأقام بها ستة أشهر خلال ما احتشد السلطان جموعه واستكمل تعبيته‏.‏ونهض من قسطنطينة وزحف إليه ابن أبي عمران وحمزة بن عمر في جموعهم فأوقع السلطان بهم وأثخن فيهم وشردهم في النواحي وعاد إلى تونس فدخلها في صفر سنة ثلاث وعشرين ومضى حمزة لوجهه إلى أن كان من أمره ما نذكره‏.‏

  الخبر عن واقعة رغيس مع ابن اللحياني وزناتة وواقعة الشقة مع ابن أبي عمران

لما انهزم حمزة بن عمر وابن أبي عمران عن تونس مرة بعد أخرى ورأى حمزة أن ابن أبي عمران غير مغن عنه فصرفه إلى مكان عمله بطرابلس وبعث إلى أبي ضربة ابن السلطان اللحياني بمقانه من المهدية فداخله في الصريخ بزناتة والوفود على سلطان بني عبد الواد فرحل معه أبو ضربة ووفدوا على أبي تاشفين صاحب تلمسان ورغبوه في الظفر ببجاية وأن يشغل صاحب تونس عن ملاها بترديد البعوث وتجهيز العساكر إليه فسرح معهم السلطان آلافاً من العساكر عقد عليها لموسى بن علي الكردي صاحب الثغر بتيمرزدكت وكثير الحاشية والرجالات‏.‏وارتحلوا من تلمسان يغذون السير وبلغ السلطان خبر فصولهم من تلمسان فبرز للقائهم من تونس في عساكره حتى انتهى إلى رغيس بين بونة وقسطنطينة‏.‏ولما أطلت عساكر زناتة والعرب اختل مصاف السلطان وانهزمت المجنبات وثبت في القلب وصدق العزيمة واللقاء فاختل مصافهم وانهزموا في شعبان سنة ثلاث وعشرين وامتلأت أيدي العساكر من أسلابهم من نساء زناتة ومن عليهن السلطان وأطلقهن‏.‏ورجع أبو ضربة وموسى بن علي الكردي في فلهم إلى تلمسان وعاد السلطان إلى حضرته لأيام من هزيمتهم‏.‏ولقيه الخبر في طريقه باجتماع العرب وابن أبي عمران بنواحي القيروان فتخطى الحضرة إليهم ولقيهم بالشقة وأوقع بهم ورجع إلى تونس في شوال من سنة أربع وعشرين‏.‏فاتبعه حمزة ومن معه إلى تونس وسبق إليهم بخبرهم عامر بن بوعلي بن كثير وسحيم بن‏.‏فخرج للقائهم من يومه في خف من الجنود بعد أن بعث عن عساكر باجة وقائدها عبد الله العاقل مولاه فصحبه العرب بنواحي شادلة فقاتلوه صدرها وحمي الوطيس ووصل عبد الله العاقل والناس متواقفون واشتدت الحرب‏.‏ثم كانت الهزيمة على العرب واستبيحت حرماتهم وافترقت جموعهم ورجع السلطان إلى البلد واستقر بالحضرة‏.‏

  الخبر عن أجلاب حمزة بإبراهيم بن الشهيد وتغلبه على الحضرة

لما انهزم أبو ضربة بن اللحياني وحمزة بن عمر وعساكر بني عبد الواد لحق أبو ضربة بتلمسان فهلك بها ولقى حمزة بعده من الحروب مع السلطان ما لقي ويئس الكعوب من غلابه وتدامروا لفتنته والأجلاب عليه فوفد حمزة بن عمر على أبي تاشفين صريخاً ومعه طالب بن مهلهل قرنه في قومه ومحمد بن مسكين شيخ بني حكيم من أولاد القوس وكلهم من سليم ومعهم الحاجب ابن القالون فاستحثوا عساكره لصريخهم فكتب لهم السلطان كتيبة عقد عليها لموسى بن علي الكردي وأعاده معهم‏.‏ونصب لهم لملك تونس من أعياض أبي حفص إبراهيم بن الشهيد منهم وأبوه الشهيد هو أبو بكر بن أبي الخطاب عبد الرحمن الذي نصب للأمر عند مهلك السلطان أبي عصيمة وقتله السلطان أبو البقاء خالد كما ذكرناه‏.‏وكان إبراهيم هذا قد لحق بالعرب ونصبوه للأمر وأجلبوا به على تونس إثر واقعة رغيس‏.‏وبرزت إليهم العساكر فانهزموا كما ذكرناه ولحق بتلمسان وجاء هذا الوفد على أثره فنصبه السلطان أبو تاشفين لهم واستعمل على حجابته محمد بن يحيى بن القالون‏.‏وبعث معهم العساكر لنظر موسى بن علي الكردي وزحفوا إلى إفريقية‏.‏وخرج السلطان أبو بكر من تونس لمدافعتهم ذا القعدة من سنة أربع وعشرين وانتهى إلى قسطنطينة وعاجلوه قبل استكمال التعبية فنزلوا بساحتها‏.‏وأقام موسى بن علي على منازلتها بعساكر بني عبد الواد‏.‏وتقدم إبراهيم ابن الشهيد وحمزة بن عمر إلى تونس فدخلها في رجب سنة خمس وعشرين واستمكن منها وعقد على باجة لمحمد بن داود من مشيخة الموحدين‏.‏وثار عليه بعض ليالي رمضان بعض بطانة السلطان كانوا بالبلد في غيابات الاختفاء وكان منهم يوسف بن عامر بن عثمان وهو ابن أخي عبد الحق بن عثمان من أعياص بني مرين وفيهم القائد بلاط من وجوه الترك المرتزقة بالحضرة وابن جسار نقيب الشرفاء فاعتدوا واجتمعوا من جوف الليل وهتفوا بدعوة السلطان‏.‏وطافوا بالقصبة فامتنعت عليهم فعمدوا إلى دار كشلي من الترك المرتزقة وكان بطانة لابن القالون فقاتلوها وامتنعت عليهم‏.‏ثم أعجلهم الصباح عن مرامهم وتتبعوا بالقتل وفرغ من شأنهم وكان موسى بن علي ومن معه من العساكر لما تخلفوا عن ابن الشهيد لحصار قسطنطينة أقام عليها أياماً‏.‏ثم أقلع عنها لخمس عشرة ليلة من منازلته ورجع إلى صاحبه بتلمسان‏.‏وخرج السلطان من قسطنطينة فاستكمل الحشد والتعبية ونهض إلى تونس فأجفل منها ابن الشهيد وابن القالون ودخلها السلطان في شوال سنة خمس وعشرين واستولى على دار ملكه وأقام بها إلى أن كان من أمره ما نذكره‏.‏